الخطيب الشربيني
120
مغني المحتاج
يكره له كما سيأتي ، والأصل في ذلك الاتباع في نعم الصدقة والقياس في غيرها . أما نعم غير الزكاة والفئ فوسمه مباح لا مندوب ولا مكروه ، قاله في المجموع . وكالنعم الخيل والبغال والحمير والفيلة . والوسم بالمهملة : التأثير بالكي وغيره ، وجوز بعضهم الاعجام ، حكاه المصنف في شرح مسلم ، وبعضهم فرق فجعل المهملة للوجه والمعجمة لسائر الجسد . ويكتب على نعم الزكاة ما يميزها عن غيرها ، فيكتب عليها : زكاة أو صدقة أو طهرة أو لله ، وهو أبرك وأولى اقتداء بالسلف ، ولأنه أقل حروفا ، فهو أقل ضررا ، قاله الماوردي والروياني ، وحكى ذلك في المجموع عن ابن الصباغ وأقره . وعلى نعم الجزية ، جزية أو صغار بفتح الصاد : أي ذل ، وهذا أولى لقوله تعالى : * ( وهم صاغرون ) * . فإن قيل : لم جاز الوسم بالله مع أنها قد تتمرغ على النجاسات ؟ أجيب بأن الغرض التمييز لا الذكر . قال الأذرعي : والحرف الكبير ككاف الزكاة أو صاد الصدقة ، أو جيم الجزية ، أو فاء الفئ كاف ، ويكتب ذلك ( في موضع ) ظاهر صلب ( لا يكثر شعره ) والأولى في الغنم آذانها وفي غيرها أفخاذها . ويكون وسم الغنم ألطف من البقر ، والبقر ألطف من الإبل ، والإبل ألطف من الفيلة . ( ويكره ) الوسم ( في الوجه ) للنهي عنه ( قلت : الأصح يحرم ، وبه جزم ) الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود ( البغوي ) في تهذيبه ( وفي صحيح مسلم ) بن الحجاج بن مسلم القشيري نسبا النيسابوري وطنا ، مات سنة إحدى وستين ومائتين عن خمس وخمسين سنة . ( لعن فاعله ، والله أعلم ) أشار إلى حديث جابر رضي الله تعالى عنه : أنه ( ص ) مر بحمار وسم في وجهه فقال : لعن الله الذي وسمه . قال الأسنوي : وقد نص عليه أيضا في الأم قال : والخبر عندنا يقتضي التحريم فينبغي رفع الخلاف وحمل الكراهة على التحريم ، أو أن قائله لم يبلغه الحديث . قال في المجموع : وهذا في غير الآدمي ، أما الآدمي فوسمه حرام إجماعا . وقال فيه أيضا : يجوز الكي إذا دعت الحاجة إليه بقول أهل الخبرة وإلا فلا ، سواء نفسه أو غيره من آدمي أو غيره ، ويجوز خصاء ما يؤكل في صغره لأنه يطيب اللحم ويحرم في الكبير ، وكذا خصاء ما لا يؤكل ، ويحرم التهريش بين البهائم ، ويكره إنزاء الحمر على الخيل ، قاله الدميري ، وعكسه قال الأذرعي : والظاهر تحريم إنزاء الخيل على البقر لضعفها وتضررها بكبر آلة الخيل . فصل : في صدقة التطوع ، وهي المرادة عن الاطلاق غالبا : ( صدقة التطوع سنة ) للكتاب والسنة ، فمن الكتاب قوله تعالى : * ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) * ومن السنة قوله ( ص ) : من أطعم جائعا أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقى مؤمنا على ظمأ سقاه الله عز وجل يوم القيامة من الرحيق المختوم ، ومن كسا مؤمنا عاريا كساه الله من خضر الجنة رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد ، وخضر الجنة بإسكان الضاد المعجمة : ثيابها الخضر . وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما تصدق أحد من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون أعظم من الجبل العظيم . وقد يعرض لها ما يحرمها كأن يعلم من آخذها أنه يصرفها في معصية . وقد تجب في الجملة كأن وجد مضطرا ومعه ما يطعمه فاضلا عن حاجته ، وذلك معلوم في محله . ( وتحل لغني ) ولو من ذوي القربى على المشهور ، لقول جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقيل له : أتشرب من الصدقة ؟ فقال : إنما حرم الله علينا الصدقة المفروضة . رواه الشافعي والبيهقي . ومثلهم مولاهم بل أولى ، لا للنبي ( ص ) على الأظهر تشريفا له ، ففي الصحيحين : تصدق الليلة على غني ، وفيه : لعله أن يعتبر فينفق مما آتاه الله . قال في الروضة : ويستحب للغني التنزه عنها ، ويكره له التعرض لاخذها . قال الأسنوي : ويكره له أخذها وإن لم يتعرض لها . ويحرم عليه أخذها إن أظهر الفاقة ، وعليه حملوا خبر الذي مات من أهل الصفة وترك دينارين فقال ( ص ) : كيتان من نار . والمراد بالغني هو الذي يحرم عليه أخذ الزكاة . فإن قيل : قد تقدم في الحديث أن الميت خلف دينارين ، وهذا ليس غني الزكاة .